الكاتب - المستشار - انس محمد الجعوان
في الحياة، يواجه الجميع تحديات وصعوبات، لكن طريقة التعامل معها تختلف من شخص لآخر. بعض الأشخاص يواجهون المشاكل بروح المسؤولية والبحث عن الحلول، بينما يميل آخرون إلى رؤية أنفسهم كضحايا للظروف، ويشعرون بأن الحياة ظلمتهم ولا يملكون السيطرة على مصيرهم. يُعرف هذا النمط السلوكي بـ “شخصية الضحية” (Victim Mentality)، وهو مفهوم نفسي يؤثر على طريقة التفكير والتفاعل مع الآخرين.
فما هي شخصية الضحية؟
هي نمط تفكير حيث يرى الشخص نفسه دومًا في موقف المظلوم، معتقدًا أن الظروف، أو الأشخاص من حوله، أو حتى الحياة نفسها، تعمل ضده. يتجنب هؤلاء الأشخاص تحمل المسؤولية عن حياتهم، وبدلًا من ذلك، يلقون اللوم على العوامل الخارجية، مما يجعلهم عالقين في دائرة سلبية تعيق تطورهم الشخصي والمهني.
وإذا كنت تتساءل عما إذا كنت أو شخص تعرفه يمتلك هذه العقلية، فإليك بعض العلامات الشائعة:
1. اللوم المستمر للآخرين – دائمًا ما يكون هناك شخص أو ظرف يتحمل المسؤولية عن الفشل أو التعاسة.
2. الشعور بالعجز – الإعتقاد بأن لا شيء يمكن تغييره، حتى لو كانت هناك حلول واضحة.
3. التركيز على المشاكل بدل الحلول – يميل أصحاب هذه الشخصية إلى الحديث عن مشاكلهم دون محاولة إيجاد حلول لها.
4. الشعور الدائم بالظلم – الإحساس بأن الحياة غير عادلة وأن الآخرين يحصلون على فرص أفضل.
5. تجنب المسؤولية – لا يعترفون بدورهم في المشاكل التي يواجهونها، بل يلقون باللوم على الآخرين أو على الظروف.
6. البحث عن التعاطف والتأييد – يسعون لجذب الإنتباه من خلال الحديث عن معاناتهم للحصول على تعاطف الآخرين.
7. الخوف من التغيير – يرفضون تجربة أشياء جديدة أو اتخاذ قرارات حاسمة لأنهم يعتقدون أن الفشل أمر حتمي.
فلماذا يتبنى بعض الأشخاص عقلية الضحية؟
يمكن أن يكون سبب تبني شخصية الضحية خليطًا من العوامل النفسية والإجتماعية، منها:
• التنشئة والتربية: إذا نشأ الشخص في بيئة تُعزز فكرة أن الآخرين دائمًا السبب في المشاكل، فقد يتبنى هذا النمط لاحقًا.
• تجارب سابقة مؤلمة: الأشخاص الذين تعرضوا لصدمات أو إحباطات متكررة قد يطورون هذا النمط كوسيلة لحماية أنفسهم من المزيد من الألم.
• تعزيز الآخرين لهذا السلوك: عندما يجد الشخص أن لعب دور الضحية يجلب له التعاطف والدعم، قد يستمر في تبني هذا الدور.
• انخفاض الثقة بالنفس: عندما لا يثق الشخص بقدرته على التغيير، يصبح من الأسهل إلقاء اللوم على الآخرين بدلًا من تحمل المسؤولية.
ولكن كيف تؤثر عقلية الضحية على الحياة؟
امتلاك شخصية الضحية قد يكون له تأثيرات سلبية عديدة، مثل:
• ضعف العلاقات الإجتماعية – مع مرور الوقت، قد يبتعد الآخرون عن الشخص الذي دائمًا ما يشكو ويلوم الظروف.
• الإحباط والتوتر – العيش في دور الضحية قد يؤدي إلى الشعور المستمر بالإحباط والقلق.
• ضياع الفرص – الإعتقاد بعدم القدرة على التغيير يمنع الشخص من اغتنام الفرص التي يمكن أن تحسن حياته.
• التأثير على الصحة النفسية – يمكن أن يؤدي هذا النمط إلى الإكتئاب والإنعزال عن المجتمع.
كيف يمكن التخلص من عقلية الضحية؟
إذا كنت تشعر بأنك تتبنى هذا النمط أحيانًا، فإليك بعض الخطوات التي يمكن أن تساعدك في التحرر منه:
1. الإعتراف بالمشكلة – الوعي بأنك قد تمتلك عقلية الضحية هو الخطوة الأولى للتغيير.
2. تحمل المسؤولية – بدلًا من إلقاء اللوم على الآخرين، اسأل نفسك: “ما الذي يمكنني فعله لتحسين وضعي؟”.
3. تغيير طريقة التفكير – ركز على الحلول بدل المشاكل، وتذكر أن التغيير يبدأ من الداخل.
4. ممارسة الإمتنان – درّب نفسك على رؤية الإيجابيات في حياتك، حتى في الأوقات الصعبة.
5. تجنب دور المتعاطفين المزيفين – لا تبحث عن أشخاص يعززون لديك عقلية الضحية، بل ابحث عن من يشجعك على التغيير والنمو.
6. تعلم مهارات جديدة – تطوير مهاراتك وزيادة ثقتك بنفسك يساعدك على رؤية نفسك كشخص قادر وليس كضحية.
7. استشارة مختص – إذا كان هذا النمط يعيق حياتك بشكل كبير، فقد يكون اللجوء إلى مختص نفسي خيارًا جيدًا.
وأخيراً
شخصية الضحية قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالراحة من خلال إلقاء اللوم على الآخرين، لكنها في النهاية تعيق النمو الشخصي والسعادة الحقيقية. التغيير ليس سهلاً، لكنه ممكن. بمجرد أن تدرك أنك تمتلك القوة لتغيير حياتك، ستبدأ في استعادة السيطرة والعيش بطريقة أكثر إيجابية وإنتاجية. تذكر دائمًا: أنت لست ضحية، بل صانع لحياتك!