صَحِيفَةٌ صدى الحجاز
أَسْدَل اللَّيْل باستارة وانطوت قَصَص الأمْس
طُوِيَت صَفْحَةً مِنَ أَيَّامِ الدُّنْيَا
يَوْمًا يَعُجّ بِالْأَخْبَار والاحصائيات وَالْجَدَل والمناوشات . .
آه يَوْمًا آخَرَ مُرْهَق . .
انتصبنا لِتَلَقِّي وَسَمَاع وتداول الْأَحْدَاث وتناقل الرِّوَايَات وَسَمَاع هَذِه وَذَاك . .
ثُمَّ عُدْنَا لنائوي منهكين
أَقَاوِيل
أَقَاوِيل
أَقَاوِيل
هَذِه أَصْبَحْت أَيَّامِنَا مُنْذ أَنْ تُفْتَحَ عَيْنَاك وَلَا تَكَادُ تَمْر ثَانِيَةً إلَّا وَقَدْ جَمَعْت وَسَمِعْت وَشَاهَدْت مَا يُرْهَق الْفِكْر ويشل التَّفْكِير
مَلِلْنَا هَذِه الْمُشَاهَد . .
هَلْ لَنَا بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذَا الْعَالِمُ الصَّخَب الْمَلِيء بالضوضاء وَالضَّجِيج . .
حَتَّى وَنَحْن نَمْكُث فِي مَنَازِلِنَا لَم نَعُدّ نَشْعُر بِالرَّاحَة وَالسَّكِينَة وَالهُدُوء . .
عُقُولِنَا مَشْغُولَةٌ بِمَا خَلْف الْأَسْوَار . .
مَا بَالُ الْحَيَاة قَدْ تَغَيَّرَتْ ؟ ! !
نَحْنُ مِنْ أَصْحَابِ الزَّمَانَيْن زَمَان جَمِيل طُمِسَت مَعَالِمَه وَزَمَان مُسْتَهْلَكٌ قَبِيحَةٌ مَلاَمِحِه . .
نَحْنُ مِنْ عَاشَ فِي أَوَاخِرِ التسعينات حَيْث الهُدوء وَالسَّكِينَة وَالْحَبّ وَالطُّمَأْنِينَة
وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ المستهلكات تَعِي لَنَا شَيْئًا وَلَمْ ينقصنا شَيْئًا بِسَبّ فُقَدَانُهَا . .
شَتَّانَ بَيْنَ الزَّمَانَيْن وَبَيْن النقلتين وَبَيْن الطفرتين . .
أَهَذِه هِيه ؟ ! !
حَيَاة الرَّفَاهِيَة والتحضر وَالنَّعِيم ! ! !
فَلَم نَكُنْ نَعْلَمُ مِنْ الْأَخْبَارِ إلَّا حُدُود بُيُوتِنَا
وَلَم نكتسي مِنْ الثِّيَابِ إلَّا مَا يسترنا
وَلَم نَأْكُلُ مِنْ الطَّعَامِ إلَّا مَا يشبعنا
وَلَم نَتَمَنَّى مِن الْأَحْلَام إلَّا مَا يجمعنا سَوِيًّا جِيرَانًا وَأَقَارِب وأحبابا . .
نتقاسم اللُّقْمَة ونتشارك الْفَرْحَة ونتبادل الْأَغْرَاض ونساعد فِي النَّوَائِبِ حُزْنَنَا وَاحِد وفرحنا وَاحِد ولقمتنا وَاحِدَة وبيوتنا سَكَنًا لَنَا جَمِيعًا . .
و الْقُلُوب صَافِيَة و الضحكات بَرِيئَةٌ و الْهُمُوم مُشْتَرَكَة
وَلَم نَشْغَل أَنْفُسِنَا بِفُلَان و فَلِأَنَّه فَهُنّ أَبْنَائِنَا وَإِخْوَانُنَا وَمِنَّا وَفِينَا . .
وَكُنَّا نَعيش فِي سَلَامِ وَبِسَلَام
جَاءَتْنَا الْمَدَنِيَّة
قَطَعْنَا الأوصار وبنينا الْأَسْوَار اشْتَغَلْنَا بِالنَّاس واشغلنا النَّاس
أَرْهَقَنَا الرَّوْحَ وَ أَمَتَّنَا الْجَسَد
اغلقنا الْأَبْوَاب وَمَنَعْنَا الطَّعَام
اوصدنا الْمَنَافِذ و اقتلعنا المباهج . .
قابعين فِي حُدُودِ مَنَازِلِنَا
مَشْغُولِين بِمَا وَرَاءَ جُدْرَانِهَا . .
بَل تعدينا أَسْوار مُدَن ومحيطات وبلدان و مستعمرات
حاربنا هُنَا واوقعنا هُنَاك
تُصَحِّح لَنَا ونخطئ لِذَاك ! !
حَتَّى اسْتَنْفَذْت طاقاتنا وتحجرت قُلُوبِنَا وَتَعَطَّلَت حِبَال أفكارنا . .
مَاتَت زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ! !
كُلٌّ مِنَّا يُحْمَل تعاسته بِيَدِه يَتَصَفَّح هُنَا وَيُشَاهِدَ هُنَاكَ
يَرْسُم هُنَا وَيَمْحُو هُنَاك . .
فَبِئْس الحَضَارَة المميته المستنفذه للقوى الْمُعَطِّلَة للبشرية مَهْمَا تباهت بالتحضر وَالْعِمَارَة . .
نَحْنُ مِنْ عِشْنَا الزَّمَانَيْن ويكفينا
فَهَلْ لِي أَنْ أَسْأَلَك
مَا مِقْيَاسٌ حَالُنَا بَيْنَ هَذَا وَ ذَاك ؟ ؟ !