الكاتبة ـ مريم سليمان الجهني
الحب ليس سباقًا من يصل قبل الآخر، ولا مسابقة من يفوز باللقب.
ليس طريقًا يُقاس بالبدايات ولا بالنهايات، بل حالة تنشأ حين يتلاقى روحان بلا قصد، بلا حساب، بلا مقابل.
هو تجانس خفيّ، يلتقي فيه النقص بالكمال، وتتّسع القلوب لتحتوي الآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون.
ليس الحب بالكلمات ولا بالوعود، بل بفعلٍ صادق يُعاش، يُحس، ويترك أثره في الروح قبل الجسد.
الحب ليس لمن سبق أو تقدم في أول الطريق أو المنتصف أو الأخير.
ليس تمثالًا معجونًا من خليط، بل لمن اهتم، لمن أسعد، لمن أعطى وضحّى بصدق.
الحب أن تتقبّل أسوأ ما لديّ، كما أتقبّل أسوأ ما فيك، أن تجد في الآخر ما يستحق الصبر والعطاء، وأن تكون حاضرًا في صمته كما في ضحكه.
الحب تلك الكلمة المظلومة، التي تغنّى بها الشعراء وهم يهيمون في كل وادٍ ويقولون ما لا يفعلون.
كُتبت عنه أبهى النصوص، ورُسمت له أجمل الصور، لكن كثيرًا منها بقي بلا لون حقيقي، بلا روح.
وهناك من لحن أعذب القصائد، لكنه لم يلحن شعور امرأة أحبّت بصدق، ولم يصلها في ألحانه.
وهناك من رسم أعظم اللوحات، مثل الموناليزا، لكنها بقيت مجرد صورة، بلا نبض، بلا إحساس حيّ؛ تمامًا كما من كتب عن الحب أرقى الكلمات ولم يعيها ولم يطبّقها في حياته. الفن بلا روح كالحب بلا فعل: جميل لكنه فارغ.
يُقال إن الحب يصنع المعجزات، لكنها عبارة لا تعمل وحدها.
ففي المواقف، تسقط الكلمات إن لم يسندها فعل، ويقف الحب مجرد حروف إن لم يتحول إلى حضور صادق.
الحب أن يجعلنا نشعر أننا أجمل ما لدى الآخر، لا تصنّعًا ولا مجاملة، بل يقينًا يُرى ويُلمس.
ومادة الحب لا تُقلَّد، ولا تُستنسخ كما تتكدس البضائع في الأسواق.
لا بديل لها، ولا نسخة أخرى تشبهها، فهي صنع إلهي خالص.
حب ثابت، لا يتغير بتغير المكان ولا بتقلب الزمان؛
لا يقبل برودةً تصل حدّ الجليد فتجمّد المشاعر،
ولا حرارةً تحرق القلوب حتى تؤذي الأجساد.
هو توازن عميق، لا يعرف التطرف ولا المزاجية.
الحب ليس لأول شخص ولا لآخره، بل لمن صدق وأخلص، ولمن حفظ للقلب مكانته في قلب الآخر.
من يؤمن به يعرف أنه جملة مكتملة: فعل وفاعل ومفعول به، لا تُفتعل لطرف واحد ولا تُحمّل على كاهل شخص دون الآخر.
هو معادلة دقيقة، أو تركيب كيميائي لا يفصل بين خليط ومخلوط،
بل يكون مذيبًا بين عنصرين، يذوبان معًا ولا يعودان كما كانا قبل الذوبان.
والحب لا يحب الفيزياء ولا عودة الوراء.
لا يعرف التراجع ولا النسخ ولا الإعادة،
إنما يُعاش مرة واحدة بصدق، أو لا يكون.
الحب كريم، لا يسكن إلا قلوب الكرماء.
لا يجلس في مجالس البخلاء، ولا يزدهر حيث يُقاس العطاء.
فمن بخل بالمشاعر لا يستحق جزيلها،
لأن الحب زاده العطاء، وشرابه فيض لا ينقطع.
هو ماء ينبع من وريد إلى وريد،
يسقي الشرايين كلها،
وتتغذى منه الأوردة،
فينتعش القلب، وتستقيم الروح على نبض الصدق.
هنا، حيث لا مكان للادّعاء،
لا يبقى إلا ما يُفعل،
ولا ينجو إلا ما كان حقيقيًا .


.jpg)

.jpg)







.jpg)
.jpg)



.jpg)