ًالبرادايم .
الكاتب / ياسر الثقفي
كنت أتخيّل فيما لو ظهر أحد أجدادي الذين وافتهم المنية قبل مائة عام، ورأى ما نحن فيه من تطور وازدهار وتقنية عجيبة، ربما لا يستطيع عقل ذلك العجوز استيعاب كل هذا الكم الهائل من الثورة المعلوماتية فيسقط على الأرض ويدخل في غيبوبة طويلة.
لماذا ؟! .. الجواب : لأن ( جدي ) المسكين لم يخرج من دائرة تفكيره التي رسمها في عقله، إلى عوالم أبعد مما يتصور، فظن أن الأمور تتوقف عند حدود مخيلته وهو ما يسمى بالإطار الفكري.
لذا علينا الخروج من الدائرة الضيقة والنظرة المحصورة التي نعيشها، بزيادة نسبة الوعي والإدراك، لفهم الحياة ولتحقيق تواصل إيجابي وتأثير فعال، بطرق إبداعية مختلفة، من خلال تطوير الذات والسلوك والتحكم بالمشاعر والقرارات.
البرادايم أو ما يسمى بنظارة العقل، هو المفهوم المختصر لكل ما ذكرته سابقاً، بعيداً عن فلسفة المدربين، وأطروحات المثقفين، وسمي بنظارة العقل لأنك لو وضعت على عينيك نظارة حمراء مثلاً، فإنك سترى الأشياء من حولك مصبوغة باللون الأحمر، أي أن (البرادايم) يمثل نظرة الإنسان للحياة بحسب ما تكوّن لديه من خبرات وتجارب ومعلومات ومكتسبات ومعتقدات.
وقد ذكر الشاعر العربي المتنبي ذلك في قوله : (إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءَت ظنونه) قبل أن يضع توماس كون نظرياته في البرادايم، والذي كان يردد أن كل ما نراه هو جزء صغير من كل كبير، وأن ما ندركه ليس بالضرورة أن يكون حقيقة، وأنك لن تفهم الآخرين وتكسبهم إلا عندما تفكر بطريقتهم.
قد ندرك الآن لماذا تحدث المشاكل بين الأزواج أحياناً، هناك (نكتة) شعبية منتشرة، وهي مأخوذة بتصرف من قصص توماس كون، وهي أن شاباً يسير في الطريق بسيارته، وقد صادف امرأةً قادمة، فأخرج رأسه من النافذة وقال : بقرة!! .. اعتقدت أنها يسبها فأخرجت رأسها له وقالت : حمااار!!
لتتفاجأ بوجود بقرة ميتة في الطريق وتصطدم بها.
برادايم السيدة كان سلبياً، ولم تخرج من حدود تفكيرها السلبي، أو لنقل أنها لم تحسن الظن، لذلك لم تفهم رسالة الشاب بصورة جيدة، فكانت النتيجة وخيمة، ولذلك فإن طريقة تفسير الزوجات أحياناً، لتصرفات الأزواج تكون سلبية، والعكس أيضاً.
نحن كذلك يحصل في حياتنا اليومية العديد من الحوادث، فتكون ردود أفعالنا من داخل الأطر الذهنية التي وضعناها حولنا وبالتالي فهي تسيطر على قراراتنا وسلوكنا، وعواطفنا وتفكيرنا.
كتب أحد الأخوة الإعلاميين رسالة عن الحجاج بن يوسف الثقفي، فٱرسلت له كتاباً يقرؤه، لتغيير مفهومه عن شخصية تاريخية، لا يمكن اختزالها في كلمة أو كلمتين، فردّ علي بقوله : (أخذتك الحميٰة).
من خلال تصوره الفكري، رأى أن ردة فعلي كانت عنصرية، لأنه ارتدى نظارة القبيلة، ولو كان الحديث عن هتلر مثلاً لربما تغير الطرح والحوار.
نستطيع تغيير أفكارنا السلبية، إلى برادايم إيجابي وهذا ما يسمى بتحول النمط الفكري، يقول أهل العلم برفع مستوى الوعي والإدراك، وأنا أقول بالعزيمة وقوة الإيمان، عندما ترى رجلاً يتصدق أمام الناس، لإحدى الجمعيات الخيرية، لا تقل أن ما فعله (رياء) ولكن قل بأنه مخلص، ويريد أن يعطي دافعية لفعل الخير.
هل تعلم أن عدداً من الأبحاث قد أشارت إلى أنَّ التفكير الإيجابي، يمكن أن يطيل العُمر، كما سجَّلت تقارير طبية دورهُ في تحسين نتائج علاجات سرطان الثدي وفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز).
كما أنَّ للتفكير الإيجابي تأثيراً جيداً على معدلات التعافي والبقاء على قيد الحياة بالنسبة لمرضى استبدال شرايين القلب.
أخيراً كن أنموذجاً فكرياً فعالاً، كن قدوة، كن قوياً، كن إيجابياً، كن مؤثراً، ولا تكن صغير النفس محدود النظرة، لا أقول من أجل أن تعيش سعيداً، ولكن على الأقل أن تفهم الآخرين.




.jpg)

.jpg)
.jpg)

.jpg)



.jpg)
.jpg)


