الجمعة, 24 ديسمبر 2021 10:49 صباحًا 0 289 0
مرض ( الذكريات الكاذبة )
مرض ( الذكريات الكاذبة )

مرض ( الذكريات الكاذبة ) 

 

الكاتب / ياسر الثقفي 

 

في يوم من الأيام كنت أجلس أمام باب المنزل في قريتنا الجميلة الهادئة، لأتفاجأ بمرور شخص (ميت) من أمامي يقود سيارته مبتسماً ويسلم علي بكل لطافة.!! قمت من مكاني مذعوراً وتهيأ لي أنني بحلم أو ما شابه ذلك، ولكن الأمر يبدو حقيقاً بالفعل .. إنه (فلان) بشحمه ولحمه الذي توفي قبل ثمان سنوات.
وبدأت أسترجع ذكريات جنازته ومكان دفنه والأحداث المصاحبة، لكن ذاكرتي (المسكينة) لم تسعفني بشكل واضح إلا أنني أجزم أنه قادم من عالم الأموات، استدعى الأمر لأجري عدد من الإتصالات بالأقارب والأصدقاء لتأتي الصدمة: أن الرجل ما زال حياً ومن قال لك أصلاً أنه قد مات..!! 
هذا بالضبط ما حدث مع الباحثة والأخصائية فيونا بروم عندما حضرت إحدى اللقاءات عبر الإنترنت في عام 2010 مع مجموعة من الأشخاص ووجدت أن معظمهم يتحدثون عن موت الزعيم نيلسون مانديلا في السجن منذ سنوات..!! علماً بأنه لا يزال على قيد الحياة ( توفي 2013 ) ومما زاد الأمر غرابة هو تعزيز المجموعة لبعضها، فمنهم من يذكر بأن الجنازة قد عرضت على التلفاز وآخر يتذكر لقاء أرملته وغيرها من الأحداث والوقائع التي جعلت الباحثة يجن جنونها، وقد كان هذا اللقاء هو سبب إطلاق نظريتها الشهيرة التي أسمتها ( تأثير مانديلا ).
تأثير مانديلا هذه، أو كما يطلق عليها ظاهرة الذكريات الزائفة هي ظاهرة نفسية، حيث يتذكر الشخص أمورًا لم تحدث في الواقع أو أنها حدثت ولكن ليس بالطريقة التي يتذكرها بها، وقد ذكرت المنشورات الأكاديمية للذكريات الكاذبة أنها بمجرد أن تترسخ في أدمغتنا تكتسب نفس خصائص الذكريات الأخرى وبذلك نحن لا نستطيع أن نميز الذكريات الكاذبة عن الذكريات الحقيقية، وبرغم كثرة الأبحاث والدراسات عن أسباب نشأة هذه الذاكرة المغلوطة إلا أنها تظل سر من أسرار خلق الله ولم أقف على تفسير منطقي يشبع نهمي البحثي الفلسفي، ولعل من أغرب التفاسير لهذه الظاهرة العجيبة من قال بالواقع البديل، أو ما يسمونها بنظرية الأكوان الموازية بمعنى أن هذه الأشياء التي نعتقد بخطئها هي موجودة بالفعل ولكنها في عالم آخر غير الذي نعيش فيه، وهناك من قال أنها تتأثر بتأثير العواطف، فالمشاعر السلبية تخلق ذكريات زائفة، ولا يزال هذا الموضوع يحظى بشعبية كبيرة على مستوى العالم.
من الأمثلة الشهيرة عن هذه الظاهرة أن حوالي ثلثي الأمريكيين يعتقدون بأن هناك ( شَرطة صغيرة ) بين كلمتي Kit و Kat هكذا “Kit-Kat” في شعار حلويات كيت كات التي تنتجها شركة نستلة، ووفقاً لسجلات الشركة لم تظهر تلك الشرطة أبداً من قبل في أي من المنتجات، أيضاً لو سألت أي أحد عن الصورة التي تظهر في شعار علامة “لا فاش كيري” أو البقرة الضاحكة سيقول لك بأن البقرة في الصورة تظهر بحَلَق معدني في أنفها، وفي الحقيقة لم تظهر البقرة الضاحكة إطلاقاً بذلك الحلق.
ختاماً، هل حدث يوماً وأنت تجلس مع أصدقائك في مكان ما، لتتفاجأ بأن ذاكرتك تقول لك أنك قد جلست بهذا المكان من قبل ومع نفس الأشخاص وكل شئ حولك قد حدث في الماضي، ولكنك لا تعرف متى كان ذلك بالضبط.
لا تخف .. إنها مجرد ذكريات كاذبة.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

غاليه الحربي
مالكة ومدير عام ورئيس التحرير الصحيفة
مالكة ومدير عام الصحيفة أديبة وكاتبة ومنظمة فعاليات

شارك وارسل تعليق

أخبار مقترحة